أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

40

التوحيد

ودليل آخر : أنه يوجد من العبد الفعل المتولّد ، يقع الفراغ بعده بأوقات كالرمي والجنايات ، يستحق اسم القاتل والجاني والمصيب بعد انقضاء حقيقة فعله ، فمثله مستقيم من اللّه ، وإن كان لا يوصف فعله بالطّباع والتولّد ؛ لما أن خروج أحد الوجهين في الشاهد لم يمنع من تحقيق الفعل ، فمثله في الغائب ، وإن لم يكن من ذلك الوجه على ما بيّنا من إثبات شيء ليس بجسم ، على جواز القول في اللّه بالشيء ، وإن لم يكن عرضا ، وكل شيء في الشاهد غير جسم فهو عرض بحق الوجود لا أنّ ذلك اسمه ، فمثله الأول ، ولا قوة إلّا باللّه . وأيضا إن الذي قالوا أمارة العجز ؛ إذ لا يقدر العبد على ما لا يتحقق مفعوله معه ، كما لا يقدر عليه دون استعمال نفسه بالتحريك والتّسكين ، ولا قوة إلّا باللّه . وبعد ، فإنه لا أحد أبى القول بأنه مأمور منهيّ في وقته من غير مجيء أمر في هذا الوقت ، وكذلك الوعد والوعيد ، فيصير بالمنزل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هو للحال مأمورا منهيّا ، ما ينكر أن يكون للحال كائنا بالتكوين في الأزل ، وكذلك اللّه سبحانه يوصف بكل كائن أنه عالم به كائنا ، وإن كان يوصف من قبل بعلمه ، والكون والحدث كله على الكائن دونه ، وباللّه التوفيق . على أن معنى التكوين ، وإن كان لا يبلغه فهم البشر ، لأمكن الأداء بأيسر قول يحتمله من القول ب " كن " كل شيء على ما علم أنه يكون ، فيكون به ، مكوّنا كل شيء على ما عليه كونه في وقت كونه من غير تكرار ، وفيه يدخل الأمر كله والنّهي والوعد والوعيد ، ويصير إخبارا عن كائن وعما يكون ، على اختلاف أحوال الكائنات بأوقاتها وأمكنتها أبدا ، لكن وسع الخلق لا يحتمل درك التكوين الذي لا يشغل ولا يتعب ، ولا قوة إلّا باللّه . وهذا باب لو استقصي فيه لشغل عن بلوغ النهاية عن المقصود ، ونرجو أن يكون فيما أشرنا إليه مقنع لذي اللّبّ والفهم .